بات واضحاً لدى المختصين والخبراء من الجهات العامة والخاصة والرأي العام، أن مشاكل النقل والمرور في مدينة دمشق والمدن السورية الأخرى، تفاقمت إلى حد كبير ولم تعد تحتمل التأجيل، ولا بد من التصدي لها بالسرعة الكلية، خاصة وأن عدد السكان في تزايد مستمر، لذلك فإن تحسين وتطوير منظومة النقل والمرور ضمن خطة شاملة ومتكاملة، بالاستناد إلى خبرة وتجارب المدن المتقدمة، سيؤدي بالنتيجة إلى تحسين مؤشرات النقل كافة، حيث سيؤدي إلى تخفيض حوادث السير، والحد من تلوث الهواء وتحسين صحة السكان، ورفع السرعة المتوسطة للانتقال والإقلال من زمن الانتقال، وتخفيض وتيرة اهتلاك السيارات والطرق، وهذا يؤدي بالنتيجة إلى تحقيق وفورات اقتصادية تقدر بمليارات الليرات السورية، إلا أن مجمل الدراسات والمشاريع التي وُضعت للخروح من أزمة النقل والمرور في دمشق والمدن الأخرى لم يُكتب لها النجاح أو الاستمرار لأسباب اقتصادية أحياناً، ولاعتبارات شخصية فردية أحياناً أخرى، سنذكرها جملة وتفصيلاً في هذا التحقيق.
«البعث» تفتح من جديد ملف أزمة النقل والمرور في مدينة دمشق، لمعرفة أسبابها والحلول المقترحة للخروج منها، وما هي الأسباب الحقيقية وراء توقف الدراسات والمشاريع التي كان يتغنى بها المعنيون لحل هذه الأزمة؟ ولماذا توقفت في اللحظة الأخيرة بعد أن وصلت إلى التوقيع النهائي من الجهات المعنية الخاصة، ومَن وراء ذلك، ومن المستفيد من هدر مليارات الليرات السورية التي صُرفت على تلك الدراسات؟ وكيف صُرفت ولمن؟ وكيف يصفُنا مصممو الدراسات وينظرون إلينا؟ هل يصفوننا بالأذكياء لأننا شغلناهم فترة من الزمن ودفعنا لهم أموالاً طائلة نحن أحوج لها، دون أن نأخذ بأفكارهم، أم يصفوننا بغير ذلك؟ لنتابع:
مترو دمشق
لقد بدأ العمل منذ بداية الثمانينات على تطوير وتحديث أسلوب إدارة منظومة النقل والمرور في دمشق والمدن السورية الأخرى، من خلال إحداث هيئة مختصة في كل مدينة، وتوفير التمويل اللازم لها، وتحديث التشريعات الناظمة لنقل الركاب في المدن وخارجها، وضرورة وضع خطة متكاملة في كل مدينة واقليمها لإقامة وتطوير منظومة النقل والمرور، بحيث تشكل هذه الخطة جزءاً أساسياً من المخطط التنظيمي العام للمدينة، وتعتمد هذه المنظومة على وسائل النقل الجماعية المعروفة (المترو -الترام -التروليباص -الباص بسعاته المختلفة ...الخ)، وذلك تبعاً للظروف الخاصة بالمدينة.
من هذا المنطلق بدأت المباشرة بإعداد الدراسات التنفيذية لمترو دمشق، وتشكيل لجنة عليا لهذا المشروع الهام الذي أصبح يشكل ضرورة ملحة لا يمكن بدونها معالجة المشاكل الراهنة لمنظومة النقل والمرور بدمشق، واستمرت الدراسات عدة أعوام وظهرت بشكلها النهائي، وتحتاج فقط إلى التصديق من الجانب السوري، إلا أنه لم يوافق عليها في حينه لاعتبارات اقتصادية، إضافة إلى الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضاً على سورية في ذلك الوقت، وكان ذلك في النصف الثاني من عقد الثمانينيات.
وكان الاتحاد السوفييتي أنذاك هو من قام بإجراء الدراسات اللازمة لمترو دمشق، وخلصت الدراسات إلى أن تكلفة الكيلومتر الواحد ضمن المدينة يكلف بحدود 60 مليون دولار جاهزة، لكن الدراسات ماتت في حينها، وتُقام لها ذكرى سنوية كلما تطرق أحد المسؤولين إلى أزمة النقل وحاجة المترو لحل الأزمة، وتُذكر فوائده التي ينعم بها كل من قام بتنفيذه في الدول الأخرى، واستمرت أزمة النقل والمرور في تفاقم.
تنظيم حركة المشاة
وكانت هناك دراسات أخرى متعددة كان مصيرها الفشل جميعها، وأهمها دراسة حول إحداث النظام الدائم المستمر لمسوحات جمع المعلومات عن منظومة النقل والمرور، الذي يهدف إلى الدراسة المستمرة لتيارات الركاب والبضائع وتيارات المرور والمشاة وتغيراتها تبعاً للمكان والزمان ووضع مخططاتها، وكان الهدف من هذه الدراسة تنظيم وترتيب حركة المشاة، وفصل حركة المشاة عن حركة السيارات من خلال إقامة المعابر السفلية والعلوية، إلا أن مصير هذه الدراسات كان الفشل لعدم اعتمادها أو استكمالها دون معرفة الأسباب.
مشاركة القطاع الخاص
وطُلبت دراسة بل دراسات حول متابعة العمل لاجتذاب القطاع الخاص والمشترك للمشاركة في شراء باصات جديدة وتشغيلها في المدن، في إطار شركات مرخصة وفق أحكام قانون الاستثمار، وتشجيع الميكروباصات ذات المحركات العاملة على المازوت بتبديل هذه المحركات بأخرى عاملة على البنزين، وتشجيع صيغة تشغيلها في إطار شركات بدلاً عن التشغيل الفردي، ومنح أصحابها الحوافز والبدائل للعمل خارج المدن، إلا أن أياً من هذه الدراسات لم تتم أو تُعتمد لأسباب أو لاعتبارات مجهولة، فالقطاع الخاص يطالب بتعديل قانون الاستثمار، وبميزات أخرى تشجعه على العمل بالنقل داخل المدن كتعديل الأجرة وغيرها.
كما أدى دخول باصات النقل الداخلي إلى سوق العمل إلى تذمر من عامة الشعب، فعوضاً عن شراء باصات جديدة عصرية حضارية تتناسب مع الوضع الراهن، عدنا إلى ما كنا عليه في الثمانينيات، مما زاد الطين بلة، إضافة إلى وضع الميكروباصات المزري في أسواق المدن وخاصة دمشق.
ويجب علينا ألا ننسى الدراسة المخصصة لشراء 600 باص نقل داخلي لتخديم عدد من المدن السورية، علماً بأن مدينة دمشق لوحدها تحتاج إلى ضعف هذا العدد لتخديمها بالنقل الداخلي بعد خروج الميكروباصات، وما زالت المناقصة معلقة على الرغم من أن وزارة النقل قد تصدت لها وربحتها، فهل ستنجح في ذلك؟
تنظيم عمل السيارات السياحية
كما وُضعت دراسة حول تنظيم عمل السيارات السياحية العامة (التكسي الأجرة) ضمن مكاتب، وقيادة حركتها بواسطة نظم الاتصال اللاسلكية (ألو تكسي)، ومنعها من التجول بصورة عشوائية في شوارع المدن دون فائدة، وهذا يوفر الوقت والوقود، ويخفف من تلوث البيئة، إلا أن الدراسة بقيت دراسة، وعدد (التكاسي) العامة يزداد بنمرة أودون نمرة، بعداد أودون عداد، بلون أصفر أو بدون لون أصفر، وذلك أمام مرأى الجهات المختصة المعنية بالأمر، ولا أحد يعرف لماذا هذا الإهمال، فهل ستصبح مشكلة السيارات العامة والميكروباصات كمشكلة السكن العشوائي باختلاف بسيط، هو أن السكن العشوائي كتل ثابتة والسيارات كتل متحركة بثّت سمومها في كل مكان؟.
وهناك أيضاً دراسة حول حل مشكلة السيارات الواقفة على الأرصفة وجانبي الطريق يميناً ويساراً، وإشغالات الأرصفة التي تضعف الطاقة التمريرية للشوارع، وإقامة المرائب الطابقية ضمن المدن والمرائب تحت الساحات والحدائق وفي مراكز انطلاق وسائط النقل الجماعية وبجانب المؤسسات والوزارات والأبنية السكنية، فكل هذا لم يتحقق رغم الكلام اليومي والكتابات اليومية في وسائل الإعلام، وهذا الأمر أصبح حديث الناس، فلماذا السكوت عن مثل هذه الدراسات الهامة؟
فلو وُجدت المرائب وحلت مشكلة السيارات الواقفة على يمين ويسار الشارع لأصبح هناك تسارع في حركة التنقل، ولتم اختصار الزمن إلى النصف، لكن هناك من يرغب برؤية الازدحام يومياً لأن ذلك أصبح من تراث المدن.
المونوريل
أما الدراسة المتعلقة بالمونوريل (قطار السكة الواحدة)، وهو قطار كهربائي معلق يسير فوق الأرض وفوق الشوارع ولا يؤثر ولا يتأثر بها، فإنها لم ترَ النور، فالملايين من الليرات السورية التي صُرفت لاستكمالها ذهبت مع الريح، وكذلك الدراسة ذهبت مع الريح، وكان الجانب السوري قد وقّع العقد مع الجانب الماليزي للمباشرة في تنفيذ المونوريل في دمشق ،لأكثر من خط، إلا أن المباشرة توقفت من الجهات المعنية لأسباب اقتصادية، علماً بأن كلفة الكيلومتر الواحد /16/ مليون دولار فقط.
أيضاً كانت هناك إجراءات لتخفيض الطلب على النقل وتعديل ذرواته، من بينها دفع الفواتير المختلفة من ماء وكهرباء وهاتف وغيرها، في صالة واحدة في كل حي، وإزاحة زمن بدء ونهاية الدوام في الجهات الرسمية، إلا أن تلك بقيت إجراءات على الورق فقط، ووُضعت في الأدراج دون حراك، حيث أن 25&42; من أزمة النقل تعود إلى تعقيدات وإجراءات إنجاز المعاملات.
استخدام الغاز في وسائط النقل
أما مشروع استخدام الغاز كوقود بديل للسيارات، والذي بدأ العمل به في عام 1989 والذي كلف الملايين، احتاج فقط إلى جملة واحدة لإنهائه وهي (لا يوجد عندنا غاز)، وعلى ما يبدو فالمشروع قد نشط وتحرك، وهناك من يعمل لإحيائه، وهذا ما ظهر مؤخراً من خلال المباحثات التي تمت بين وزارتي النقل والنفط، وهذا القرار جريء وجدي، لأنه يحل جزءاً من أزمة النقل ولو بيئياً فقط.
بناء نظام نقل جماعي متكامل
الدكتور يعرب بدر وزير النقل أكد أنه لن يكون هناك حل لأزمة النقل في مدينة دمشق والمدن السورية الأخرى، إلا من خلال بناء نظام نقل جماعي بالمواصفات القياسية للنقل الجماعي الموجود في دول العالم.
وقال: نأمل مع توريد الباصات الجديدة أن نحل جزءاً من الأزمة، و هناك على مدى أبعد، دراسات تتم بمعونة فرنسية لبناء نظام ترامواي أو مترو، وهذه الدراسات تُستكمل الآن، وهذه لا بد منها لحل الاختناقات المرورية في دمشق، والآن نستطيع أن نعمل بالباصات لحل جزء كبير من الأزمة، وبوصول الباصات الجديدة نحل جزءاً من الأزمة أيضاً، والموضوع يحتاج إلى عدة سنوات، وليس هناك حل سحري لمشكلة النقل والمرور في مدينة دمشق أو غيرها.
ويجب التذكيربأن وزارة النقل قامت باستدراج عروض لشراء 600 باص نقل داخلي بأحجام مختلفة كبيرة ومتوسطة، ورسا العرض على شركة صينية، والعقد الآن قيد التصديق لدى المرجعيات المختصة، وعندما يتم تصديقه يُفترض أن يتم استمرار إجراءات وصول الباصات ووضعها في الخدمة مباشرة، ولا أعتقد أن هناك مشكلة في ذلك، ولم أسمع بأن هناك مشكلة في توريد باصات النقل الداخلي التي ستوزع على أربع محافظات هي: دمشق وحمص وحلب واللاذقية، وذلك للمساهمة في حل أزمة المرور في تلك المدن.
غياب التنظيم
السيد فاروق الموصللي، مدير إدارة المرور اعتبر أن أزمة النقل والمرور في دمشق والمدن السورية الكبرى، ناتجة عن غياب التنظيم، وقال: نحن بحاجة إلى منظومة نقل حضارية متكاملة، تؤمن حركة تنقّل المواطنين والآليات بصورة جيدة داخل المدن، ونحن نعمل مع الجهات المعنية الأخرى للخروج أو الحد من أزمة النقل، وذلك من خلال لجان معنية ننسق ونعمل معها.
وعن إمكانية زيادة غرامات بعض المخالفات والتشديد عليها، قال: هذا شيء ضروري وخاصة مخالفات تجاوز الإشارة الضوئية والوقوف على رتل ثان أو على منعطف عرقلة السير، والأهم من ذلك السرعة الزائدة خاصة أن نصف حوادث السير تأتي من السرعة الزائدة، فمثلاً: عام 2005 وقع /20134/ حادثاً، نصفها بسبب السرعة الزائدة، ونتيجة لعدم تغطية عناصر المرور على طول الطرق الخارجية، فقد تم الاتفاق مع وزارة النقل على تطبيق الصندوق الأسود (التاكوغراف)، على سيارات الركاب الكبيرة والصغيرة والشاحنات الكبيرة، وهذا الإجراء من شأنه أن يساعد على فرض النظام من قبل السائقين على الطرقات العامة، والتي تقع عليها معظم الحوادث، ويذهب ضحيتها أناس أبرياء.
ويعد هذا العمل أيضاً جزءاً من منظومة النقل بأنماطها المتكاملة (الباصات -التكسي العامة -المترو -الترامواي) وغير ذلك، والتي يتم العمل على إيجاد الحلول المناسبة لها.